12/22/2014

«المحبة ولا شيء» .. بيننا وبين اليمن

«المحبة ولا شيء» .. بيننا وبين اليمن

نقطة لمنتخبنا على إيقاع «المزمار» .. وأشعار «المحضار» وروعة «المعمار اليماني»

من يريد الفوز على منتخب اليمن، سواء في دورة كأس الخليج العربي الثانية والعشرين لكرة القدم، المقامة حالياً في الرياض، أو غيرها من البطولات الكروية، يعلم جيداً أنه ينبغي عليه تجاوز المرتفعات الجبلية، واجتياز العوائق الدفاعية، والعقبات المعمارية، التي ستواجهه في طريقه نحو المرمى الراقد في أحضان البيئة اليمنية!

.. وهذا ما لم ينجح منتخبنا «العنابي» في تحقيقه، خلال مباراته مع شقيقه اليمني، بعد تعادلهما سلبياً في «دورة الخليج» على إيقاع «المزمار»، وأشعار حسين أبو بكر المحضار، وعبقرية المعمار اليماني!
فالمؤسف أن منتخبنا لم يتمكن من تخطي الأسوار الدفاعية التي واجهته خلال المباراة، وأبرزها «سور صنعاء»، ولهــذا لم يستطــع دخـــول المرمى من «باب اليمـــن»، ذلك المعلــم التاريــخي الذي يمـــتد عمــــره إلى أكـــثر مـــــن ألف عام، منذ أيام «الدولة اليعفرية» (439 - 532) ويعد المدخل الأساسي للمدينة القديمة.
.. وبهذا التعادل أضاع «العنابي» فرصة الصعود إلى قمة مجموعته، مثلما يصعد أي سائح إلى أعلى «دار الحجر»، الذي يزهو بشموخ أدواره السبعة، ويبدو في موقعه المطل على واحة خضراء، وكأنه نبتة حجرية نبتت فوق الصخرة الجبلية التي شيد عليها، المستلقية على ظهر «وادي ظهر» في اليمن، الذي لم يدر ظهره يوما للتاريخ!
كان منتخبنا في مواجهته الكروية المثيرة مع نظيره اليمني، والتي أدارها الحكم العُماني «يعقوب عبدالباقي»، وحضرتها بلقيس» ملكة سبأ، التي شجعت خلالها «منتخبها الوطني»، كما شهدتها «أروى» ملكة الدولة «الصليحية»، وبينهما كان حاضراً البطل الشعبي «سيف بن ذي يزن» ملك «حمير»!
.. أقول كان منتخبنـــا يقــف خلال تلك المواجهة الكروية على مشارف إبداعات حضارية، ويطل على إنجازات إنسانية، صنعها الإنسان اليماني خلال مسيرته الممتدة عبر عصور التاريخ.
.. ولهذا كان العنابي مجبراً في بداية المباراة ونهايتها على الانحناء إعجابا واحتراما بكل حرارة لأبناء تلك الحضارة، التي خلفت وراءها إرثاً حافلاً بمعالم الإعجاز، وعلامات الإنجاز.
.. ولعل ما يميز التعادل العادل الذي حققه المنتخب اليمني مع منتخبنا الوطني أنه تحقق وسط حضور جماهيري يماني «حاشد»، وكأن المباراة تقام في صنعاء، أو عدن، وليس في الرياض!
.. واللافــــت أن الجمهـــــور اليمني كــــان «موحـــدا» دون ظهــور مؤشـــرات «حراك جنوبي» في المدرجات، أو «عراك شمالي» بين الجماعات، فالكل كان يهتف لصالح «اليمن الواحد»، ولا «صالح» غير ذلك، بعيدا عن التحزبات السياسية أو الطائفية والمذهبية، في إطار تغليب المصلحة اليمنية، بشكل يعكس حرص الجماهير على «الشراكة الوطنية».
.. ويمكن القول إن منتخب اليمن لعب المباراة بخطة «عبدالرب إدريس» التي يتم تطبيقها لأول مرة في المباريات الكروية، بعدما تم تجربتها بنجاح على مدى العقود الماضية في الحفلات الغنائية، وهي الخطة التي ترتكز على تكتيك «مقدر والنبي ودعك، خذني يا حبيبي معك، مثل الظل أنا باتبعك، حتى لو طلعت القمر، يا شقيقي يا منتخب قطر»!
.. ولهذا جاء الشوط الأول متكافئا بين المنتخبين، لم يتمكن العنابي خلاله من إثبات تفوقه الفني، وإحكام سيطرته على مفاصل المباراة، فلم يستطع أن يتوسع أو يتمدد، أو ينتشر على أجزاء الملعب، ولم ينجح في نقل هجماته من أقصى الشمال، حيث يوجد حارسه «قاسم برهان» إلى حيث يتواجد الحارس «محمد عياش» عند مضيق باب المرمى اليمني!
.. وإذا كان المهاجم القطري «علي أسد» انقض على الكرة مثل «الأسد» في الدقيقة السادسة، وقاد هجمة عنابية قطعها الحارس المنافس.
فقد شهدت الدقيقة الثلاثـــــون قمــــة الإثارة، عندما كـــاد اليمني «عبدالواسع المطري» يحرز هدفا محققا لفريقه، بعدما سدد كرة قوية زاحفة مرت على بعد سنتيمترات معدودات من القائم القطري، فبدا هذا اللاعب في تلك اللحظة، وكأنه يتقمص شخصية «سيف بن ذي يزن»!
ذلك الملك «الحميـــري»، الذي طــــرد الأحبـــاش مـــــن اليــــمن ودخـــل القصص الشعبية، التي تغوص في صميم الأسطورة الخيالية، فتلبس ذلك «الملك» لباساً غير بشري، وتجعل له جذوراً «جنية»، بدعوى أن أمه إحدى ملكات الجان، التي تولى على إثرها الصولجان!
.. وبعيداً عن تلك الأساطير الشعبية التي تعانق التاريخ، كان المنتخب اليمني يصنع تاريخاً جديداً له في «دورة الخليج» بعد تعادله مع أحد أبطالها، وهو منتخب قطر، الذي دخل بهذا التعادل مرحلة الخطر!
.. والمؤسف أن العنابي لم يثبت في هذه المباراة أنه مرشَح للفوز بالبطولة، بل ظهر أنه «مرشِح» يعاني من أعراض الزكام!
ولو توقفنا عند حصيلة الهجمات أو الكرات التي سددها على المرمى اليمني في الشوط الثاني سنجد أنها تنحصر في الفرص التالية:
في الدقيقة الحادية والخمسين سدد ماجد محمد كرة قوية عالية وصلت إلى «صعدة» في اليمن!
في الدقيقة الثمانين «الهيدوس» يرفع كرة من ضربة حرة في حلق المرمى، قفز لها «إبراهيم ماجد» وسددها برأسه خارج الملعب، لتصل إلى «شارع الستين» في صنعاء!
.. وبعدها بدقيقتين كاد «مشعل عبدالله» أن يشعل المباراة برأسية أخرى مرت فوق العارضة اليمنية.
وبعدها بدقائق سدد اسماعيل محمد كرة قوية تصدى لها الحارس اليمني محمد عياش بجدارة ومهارة.
هذا عن أبرز الفرص، وغير ذلك لا شيء غير دوران الكرة في حلقة مفرغة مثل سياق الأحداث التي تتصدر المشهد اليمني، أما عن الأداء العنابي فلم يكن إيجابيا، وكان على المنتخب لضمان وصوله الآمن إلى مرمى منافسه إيجاد الحلول الهجومية، ومن بينها ضرورة عبور جسر «شهارة» الشهير في محافظة «عمران»، وهو ذلك الجسر الحجري المقوس الذي يعد واحداً من المعجزات الهندسية النادرة في اليمن، المشيدة على أخدود شديد الانحدار، مما يجعلك تشعر بالانبهار عندما تجتازه، وتخشى من السقوط والانهيار، لأنه يربط بين جبلــين شــــاهقين تفـــصل بينهــــما هوة سحيقة، هما جبل «شهارة الأمير» و«شهارة الفيش».
.. ويعتبر ذلك «الجسر الأعجوبة»، واحداً من نماذج الإعمار المعماري للإنسان اليمني القديم، حيث تم تشييده في بدايات القرن السابع عشر، وفي رواية أخرى التاسع عشر، ليتلاءم مع الطبيعة الجبلية الوعرة لذلك المكان، ويكون مفيداً لصانعه الإنسان.
.. ولأن اليمن مهد الحضارات العربية، وأصل كل العرب، ولأنه يمتاز بتراثه الثقافي وموروثه الحضاري، فقد دارت المباراة على إيقاع» الدان» المرتبط بالجبال والجمال، وكانت المواجهة الكروية القطرية ــ اليمنية تحمل عنوان «يا ليل دان، دان، اللدان»!
.. وعلى امتداد الميدان المؤدي إلى المرمى اليمني واجه العنابي العديد من الحصون والقلاع التي تشتهر بها اليمن، من بينها قلعة «القاهرة» بمدينة «تعز» التي ترتكز على مرتفع صخري شاهق يطل على المدينة، ويرجع تاريخها إلى فترة حكم الدولة «الصليحية».
.. وبعيداً عن تلك القلعة كان انتشار المنتخب اليمني وتحركاته داخل الملعب لإفساد الهجمات القطرية يشبه حركة أشجار النخيل في وادي «دوعن» أثناء هبوب الرياح، وهي تدنو برؤوسها باتجاه بعضها البعض، في مشهد سحري، يقطع سكون الوادي اليمني، الذي يمتاز بكثافة أشجاره السحرية وكثرة نباتاته العطرية.
.. ولهذا يكثر النحل في «دوعن» وهي كلمة مشتقة من «دوع» وهو الوادي باللغة «الحميرية» القديمة، وعلى هذا الأساس يشتهر المكان منذ القدم بانتاج أجود أنواع العسل، الذي سعى منتخبنا للوصول إليه، والحصول عليه في مباراته مع نظيره اليمني، لكن لم يستطع السيطرة على مواقع «العسل الدوعني»، فظهر في المباراة وكأنه يعاني!
.. ولأن الميزة الأكثر لفتاً للنظر على الساحة اليمنية هي هندستها المعمارية التي تسر الناظر، فقد توقف «العنابي» كثيراً في مباراته مع شقيقه اليمني عند تلك المناظر، التي يلتقي فيها الماضي مع الحاضر، وتشهد على كل الحواضر التي سكنت اليمن، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، قلعة «سمارة» الأثرية التي توصف بأنها شقيقة الهضاب التي تصافح الضباب، في المنطقة الأكثر إخضراراً وجمالاً في محافظة «إب».
.. وفي خطوة تكتيكية، لها دلالاتها الاستراتيجية، حاول منتخبنا الالتفاف على المنتخب اليمني للدخول إلى مرمـــاه عبر مضيق «باب المندب»، ذلك الممر المائي الاستراتيجي، الذي يفصل قارتي آسيا عن إفريقيا، ويصل البحر الأحمر، بخليج عدن وبحر العرب.
.. ولم ينس العنابي وهو يطرق دفاعات منافسه اليمني المرور على سواحل «سقطرى» ذلك «الأرخبيل» المكون من أربع جزر، تستلقي على المحيط قبالة القرن الإفريقي، وتعتبر من أكثر المناطق دهشة وغرابة في العالم، لتنوعها البيئي الفريد المكون من الجبال والهضاب والسهول والوديان والخلجان والكهوف والمغارات المنتشرة، وتمتد شواطئها على مسافة «300» ميل، ولها خصائص فريدة من حيث كثبان رمالها البيضاء التي تبدو مثل محصول القطن المستلقي على البحر.
.. وبعيداً عن ذلك البحر، إذا كانت «ملكة سبأ» قد خرجت من القصر لتكون حاضرة بحضارتها في المباراة، لتشجيع «منتخبها الوطني» ضد قطر، فقد كان شاعر اليمن الكبير الراحل حسين أبو بكر المحضار حاضراً بإبداعاته في كل تفاصيلها، وهو الإنسان الفنان الذي أخرج فن «الدان» إلى فضاءات واسعة، فوصل الى كل مكان داخل الجزيرة العربية وخارجها، عبر تنوع الكلمات والألحان، التي قلما كان يجاريه أحد فيها من الأقران.
.. ولأن «المحضار» سخر موهبته لوطنه وشعبه، ووظف أبياته لبيئته، وتغنى باليمن أرضاً وإنساناً فإنه يجسد عبقرية بلاده الشعرية، وخصائصها الشاعرية، ولهذا سيظل واحداً من الشعراء الذين من غير الممكن سقوطهم من ذاكرة المتلقي، رغم رحيله في الخامس من فبراير عام 2000، خاصة أن أشعاره تمتاز بسلاسة الكلمة، وعمقها في المعنى، وشاعريتها في المغنى، وصلاحها لكل الأجيال، وسريانها في كل الأزمان.
.. وفي جميع الأحوال لا يمكن نسيان ذلك الشاعر الإنسان، الذي ملأ دنيانا شعراً وغناء، وصدح بمختلف الألحان، منها على سبيل المثال «باشل حبك معي، يا طير يا ضاوي، يا زارعين العنب، على ضو ذا الكوكب الساري، أنا منساك لو تنسى، وينك يا درب المحبة»، وغيرها الكثير .. الكثير .. الكثير.
لقد اشتهر «المحضار» بالتغزل كثيراً بمحبوبته اليمن، ونسج لها أجمل الأشعار، فذاع صيته، وحظي بشهرة شعبية واسعة، لم يحظ بها أحد من «الشعار».
.. ولعل أحلى ما جادت به قريحة ذلك الشاعر الفنان تغزلاً ببلاده، تلك القصيدة الرائعة التي يحفظها كل لاعب يمني، يلعب في الميدان، ويقول فيها:
«حبي لها رغم الظروف القاسية رغم المحن»
«حبي لها .. أمي سقتنا إياه في وسط اللبن»
«إن عشت فيها لأجلها غنيت»
«وإن غبت عنها أنا لها حنيت»
«والحاصل إن الحب شيء ما له ثمن»
«من قال محبوبتك من؟ .. قلت: اليمن»
.. ولهذا لم يكن مفاجئاً لمنتخبنا «العنابي» خلال اللحظات الأخيرة عندما كانت المباراة تطوي أجنحتها، وفي إطار سعيه المتواصل لإحراز هدف الفوز في المرمى اليمني أن يسمع أصوات لاعبي اليمن يرددون كلمات «المحضار».
كان حارس اليمن يردد تلك الكلمات على وقع الإيقاعات الراقصة، التي تأخذك إلى عوالم أخرى، بينما صوت «المزمار» يصدح و«يلعلع» في أرجاء المكان، وهو الآلة القديمة في اليمن، قدم الإنسان اليماني، من سالف الزمان.
.. وأستطيع القــــول بعـــد تعــــــادل منتخبنا مع شقيقه اليمني إن «المحبة ولا شيء» ستبقى بيننا وبين أهلنا في اليمن.
رحم الله الفنان «المتيم» كرامة مرسال، صاحب «المحبة» الذي كان يمتاز بذلك الصوت النادر المبحوح، فكان يبوح بكل ما في دواخله، ويفوح حاملاً نسمات «المكلا»، حاضرة «حضرموت» وأهلها الطيبين.
 نقلاً عن صحيفة الوطن
* كاتب وصحفي قطري

قد يهمك أيضا :

«المحبة ولا شيء» .. بيننا وبين اليمن
4/ 5
Oleh